الشيخ محمد رشيد رضا

288

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الضلال بالواعظ المضل ، وليس المراد بروح اللّه وروح الحق الأقنوم الثالث الذي هو عين اللّه على زعمهم ، وهو ظاهر . فتفسير الفارقليط بروح القدس وروح الحق لا يضرنا لأنهما بمعنى الواعظ الحق ، كما أن لفظ روح الحق روح اللّه بهذا المعنى في الرسالة الأولى ليوحنا ، فيصح اطلاقهما على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بلا ريب ( الشبهة الثانية ) ان المخاطبين بضمير « كم » الحواريون ، فلا بد أن يظهر الفارقليط في عهدهم ، ومحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم يظهر في عهدهم ( أقول ) هذا أيضا ليس بشيء ، لأن منشأه ان الحاضرين وقت الخطاب لا بد أن يكونوا مرادين بضمير الخطاب ، وهو ليس بضروري في كل موضع . ألا ترى أن قول عيسى عليه السّلام في الآية الرابعة والستين من الباب السادس والعشرين من إنجيل متي في خطاب رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع هكذا : ( وأيضا أقول لكم من الآن تبصرون ابن الانسان جالسا عن يمين القوة وآتيا على سحاب السماء ) وهؤلاء المخاطبون قد ماتوا ، ومضت على موتهم مدة هي أزيد من ألف وثمانمائة سنة ، وما رأوه آتيا على سحاب السماء ، فكما ان المراد بالمخاطبين ههنا الموجودون من قومهم وقت نزوله من السماء ، فكذلك فيما نحن فيه المراد الذين يوجدون وقت ظهور الفارقليط ( الشبهة الثالثة ) إنه وقع في حق الفارقليط ان العالم لا يراه ولا يعرفه وأنتم تعرفونه ، وهو لا يصدق على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لان الناس رأوه وعرفوه أقول : هذا أيضا ليس بشيء ، وهم أحوج الناس تأويلا في هذا القول بالنسبة الينا ، لان روح القدس عين اللّه عندهم ، والعالم يعرف اللّه أكثر من معرفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلا بد أن نقول : ان المراد بالمعرفة المعرفة الحقيقية الكاملة . ففي صورة التأويل لا اشتباه في صدق هذا القول على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ويكون المقصود ان العالم لا يعرفه معرفة حقيقية كاملة ، وأنتم تعرفونه معرفة حقيقية كاملة . والمراد بالرؤية المعرفة ، ولذا لم يعد عيسى عليه السّلام لفظ الرؤية بعد لفظ أنتم ، بل قال . وأنتم تعرفونه ، ولو حملنا الرؤية على الرؤية البصرية يكون نفي الرؤية محمولا على ما هو المراد في قول الإنجيلي الأول في الباب